هل نحتاج إلى تعددية حزبية ؟

 

البلد هو مثل أسرة متلاحمة، لها قبطان سفينة و كل شخص له دور
مهم و ضروري، هذا الأمر من البديهيات! و البلد الذي يكون متلاحم
وله مباديء مهمة يرتكز عليها كقاعدة، ستساعده على النمو
و التطور مع تفادي الخلافات و التقسيمات…

لكن ظهرت مودة الأحزاب و الجمعيات و المنظمات!
و الغريب أنها كلها بدون إستثناء تطبل بقوة و تصرح على أنها تريد تطبيق
حقوق الإنسان و النمو و الإزدهار و العمل …
إذا لمذا ينقسم بلد إلى عشرات الأحزاب؟! مادامت الأهداف المسطرة
واحدة و العقلية واحدة؟

الأمر الغريب الثاني هو أن كل الأحزاب في العالم المسلم لا تستطيع الخروج
عن نظام معين و تكرار أزمات و أخطاء الماضي! كل الأحزاب لم تغير شيئا ولم تستطع تقديم الجديد المفيد.
السبب أن هاته الأحزاب لها نفس العقلية و نفس الأهداف، لكن همها الوصول
إلى السلطة فقط، لهذا تدعي الصراع الحزبي و الإختلاف وهذه لعبة قديمة تنطلي
على غالبية الشعوب دائما!

النقطة الأخرى المحيرة، هي رغم وجود أحزاب فالحاكم رقم واحد هو وحاشيته
ووزراؤه يعملون بنفس الإيقاع و نفس السمفونية، وسواء تغير الحزب الحاكم أم لا، فالنظام
و الحكم و القوانين هي نفسها لاتتغير، ما عدا في بعض الأمور الثانوية التي لن تؤثر إيجابا.

كما أنه في بعض المرات تكون التعددية الحزبية لعبة سخيفة للديكتاورية،
فالحاكم الظالم يدعي الخير و البركة، فالحاكم دائما يستعمل تلك العبارة
السخيفة (( الديمقراطية))، و يسمح بتكوين أحزاب كثيرة ليؤكد أن سمفونيته
حقيقية و جميلة … لكن هذه التعددية هي فقط لتزيين و تحسيين صورة الطاغية
أمام شعبه البليد، وهذه اللعبة تنطلي على كل الشعوب و الدول بدون إستثناء!

المسألة فكريا تسبب أزمة، فالسؤال الذي يحوم حول التعددية الحزبية
هي الخلاف و الفرقة! فهل فعلا الإختلاف لا يفسد للود قضية، لا أعتقد!
كلما تقسيم جماعة معينة إل أقسام كلما تصارعت، وبشكل غير عادل،
و تتعطل عجلة التقدم، لأن الحزب الأول يختار طريقا إلى روما، بينما الآخر
عندما يأتي دوره في الحكم يختار طريقا مختلف تماما عن الأول، فهذا له
مشروع خماسي و الخر أصبح خليفة له وله مشروع آخر و أوقف
المشروع الخماسي السابق. فكل حزب هو عصى تدخل لتوقف عجلة التقدم
الذي بدأها الآخر، فنستمر بالدوران في حلقة مفرغة!

لنفكر مليا في مصيبة أخرى، وهي تشتيت النخبة الصالحة بسبب
التعددية الحزبية! ففي كل دولة مجموعة من الناس الناجحين أو المحبوبين
القادرين على التسيير، لكن هاؤلاء الصالحين الأذكياء الذين يمكن أن يكونوا
نخبة ناجحة تحوم حول حاكم واحد يحكم مدى الحياة مادام صالحا، تتفت!
لا وجود لنخبة ناجحة ذكية تستمر في التقدم!
السبب هو التعددية الحزبية! التي تولد الإنقسامات و الصراع على الحكم
و تغيير مشاريع الإصلاح و البناء.

أمر آخر محير، وهو أن التعددية الحزبية تسببت في أزمة خانقة لا مثيل لها،
وهي تسلل بعض النفعيين الإنتهازيين لمرتبة مشرفة في الحزب
لأنه غني يمول مثلا الحزب! وهذا الإنتهازي بما أن له قيمة في حزبه وله المال،
فهذا يفتح له أبواب الحكم حتى و إن لم يكن أهلا لها!وقد حدث هذا فعلا و مازال يحدث!
أو أن الشخص الغير مؤهل يصل إلى منصب حساس لا يستحقه فقط
عن طريق الشهرة الزائفة إعلاميا!

أخطر مسألة في التعددية الحزبية هي تحول الصراع المفتعل على
السلطة دون هدف إيجابي لصالح الشعب. حيث يتحول الصراع
السياسي الحزبي إلى صراع مسلح أو صراع لتفرقة بلد ،
وهذا يحدث الآن و الناس لا تأبه بما يجري أو أنها تعتقد بأن الحل غير ممكن!
و المسؤولية الأولى في هذه الحالة تقع على علماء المسلمين
والنخبة الذكية و الصالحين و الشعب بصفة عامة! لأن الأزمة
خطيرة و لا يمكن التفرج عليها، فنحن لسنا كائنات فضائية
نتفرج على صراع بين أحزاب، بل مسؤولون!

إن من الممل أن تقوم جماعات متفرقة تمثل أحزابا لا فائدة منها،
بتلويث المدن و توسيخ الجدران بصور الإستغلاليين الذين يلهثون
وراء السلطة و المال و الشهرة، وجوههم فيها علامات السجود لإبليس
و رائحة الرشوة و التزوير تفوح من 3000 كيلومتر!
فالتعددية الحزبية هي مدرسة للمشاغبين، تعلم أبناء الشعب الرشوة و الرذيلة
و السرقة للمال العام، و أصوات الناس حتى الموتى يتم سرقة أصواتهم،
فنجد أصوات موتى لطاغية أو حزب إنبطاحي فاشل!
وهكذا يتربى الشعب على الذل و التزوير و الرشوة!

أكبر مشكلة على الإطلاق في التعددية الحزبية هي تناقضها
مع مباديء الإسلام. فهناك منافقون يقولون على أن التعددية الحزبية
هي لون من ألوان الديمقراطية، وضمان لحرية التعبير وحقوق الإنسان!
و طبعا هذا هو السم في العسل، و هذا كلام غير مقبول لسببين،
الأول أنه سب غير مباشر للرسول محمد صلى اله عليه وسلم،
ثانيا لا توجد حقوق إنسان و لا ديمقراطية و الأحزاب تستعمل الهراوة
لضرب الشعب الذي صوت عليها، فكفى كذبا!

يكمن تضارب التعددية الحزبية مع الإسلام في مسائل منها،
أن الخليفة في الإسلام يستطيع الحكم مدى الحياة، و السبب
بسيط جدا وهو أنه أثبت جدارته، كما أنه
أحسن الناس القادر على القيادة و هو رجل صالح له نية حسنة،
فلمذا يتم إستبدال رجل ناجح
بعد خمس أو سبع سنوات؟!
كما أن التعددية الحزبية هي تفرقة للمسلمين و فتنة عظيمة،
فكل مسلم له نفس أهداف المسلم الآخر، ماعدا المجرم و المجنون!
كلنا نريد الخير و التطور، كلنا نفرح لبناء مصنع و مدرسة،
كلنا نرتاح لإنخفاض البطالة و غلاء المعيشة و العزوبية أو العنوسة،
و كلنا يريد العزة و الإنتصار ضد المحتل!
مسائل بديهية لا تحتاج الفلسفة أو الصراخ و العويل و تضييع
المال و توسيخ المدن …

أمر آخر واقعي و فعال، وهو أن العددية الحزبية هي تفرقة و تشتيت للجهد،
ففي الإتحاد قوة، فمادام الحزب الأول يدعي أنه خبير
و الحزب الثاني كذلك، لمذا لا يتحدو و يندمجو و يقرروا مصير الشعب على طاولة
مستديرة، و تكون الكفاءة أحسن، تحت حكم رجل صالح؟!
رفض الأحزاب لهذا الأمر سببه النية السيئة، وهو السلطة و المال و للأسف
يمكن أن تكون النية تدميرية، فبدل البناء تمتهن الأحزاب فن الهدم!

إن من يعتقد أن التعددية الحزبية هي ضمان لحرية التعبير هو مخطيء،
فعدد هائل من الشعب لم يختر و لم يقرر و لم يتم إستشارته،
بل يوم مجموعة اشخاص مشبوهون بإتخاذ تدابير خاوية من الفائدة
دون أ نيسألون الشعب ولا حتى دراسة خصوصية بلد معين، وهذه الجماعة
التي كونت حزبا لا تمثل في الحقيقة إلا نفسها، و لا تمثل جزئا من الشعب
أو الشعب كله، لأن هناك الملايين في العالم الذين لا ينتمون لأي حزب،
و صوتهم غير مسموع، و عندما يذهبون للتصويت يفرض عليهم الإختيار،
إما أن يصوتوا على إنتهازي رقم واحد له برنامج أناني مبهم، أو المترشح رقم
إثنين الذي لا باع له في السياسة و تسيير شؤون الدولة، و له برنامج مثل سابقه
و الإثنين معا متشابهان، في الأخلاق السيئة و التكبر و الكذب و الطغيان.

و العجيب أنه بسبب الإنتهازية و الديكتاتورية يتفكك الحزب إلى أحزاب جديدة منشقة!
مما يعني ان التعددية ليست حلا و تسبب الفرقة، كما أنها لا تمثل رأي جماعة
و حرية تعبيرها، و الدليل هو إنشقاق و تفرقة الأحزاب، ف الحزب السياسي
في هذا العصر هو مثل دجاجة لتد أحزابا أخرى مخالفة لها رغم أنها جاءت من رحمها!
وهذا عادي فالتفرقة تلد التفرقة.

و يبقى المواطن لا صوت له
يتفرج و كأنه في السينما! و الأحزاب تدعي نصرته و حمايته، لكن لا تفعل شيئا له،
ولا تتذكر هذا المواطن المسكين إلا في الإنتخابات!

الأحزاب السياسية جعجعة بدون طحين، و تلوث للفكر قبل الأرض،
و إنتهازية السفهاء للوصول إلى السلطة، و تمثيلية بعض الطغاة!

بنقدور نبيل
2014-11-03 – 19:16:47

Related Post

shortlink رابط مختصر:
About بنقدور نبيل 2702 Articles
فنان و كاتب حر، يغرد خارج السرب ... مهتم بعدة مجالات منها : الدراسات العسكرية، الإعلاميةو الفنية، الحوارات الفكرية بما فيها الدينية .

اترك رد