الفلاحة و الأمطار في المغرب

 

أحد أشباح المغرب المخيفة هي الجفاف، غول يرتعب منه الكثير من الفلاحين المغاربة، لأن الكثير من الفلاحين لهم أراضي فلاحية ينقصها الماء، ومنهم من له بئر قديم أصبح يجف، و آخرون حفروا عدة آبار و لم يجدوا الماء، و منهم من ليس لديه الإمكانية لحفر بئر. و الكثير من الفلاحين أراضيهم صغيرة و في مناطق ذات تربة ليست جيدة بما يكفي، و تقترب من المناطق الصحراوية ، و التصحر هو الغول الثاني بعد الجفاف، حيث الكثير من الأراضي في كل الدول العربية تقريبا فيها نسبة ملوحة عالية و تربتها تميل إلى البياض، عكس الجودة العالية لتربة الترسي و الحمري و غيرها، و في المغرب تربة الترسي و الحمري الجيدة و المستصلحة موجودة خاصة في منطقة سوس و منطقة قرية مداغ قرب مدينة بركان، لكن الذي يحزن هو إكتساح الإسمنت المسلح للأراضي المجاورة للمدينة في منظر مخيف ! سر جودة أرض قرية مداغ و القرى المجاورة هي أنها كانت غابة و دمرها المستعمر الفرنسي لسببين، الأول للإستفادة من أشجارها و ثانيا لكي يقضي على المجاهدين المسلحين الذين قاوموا لإستعمار الفرنسي.

إذا كما قلنا شبح الجفاف يهد الفلاحين، خاصة الفلاحين الصغار الذين ورثوا أرضا صغيرة، و من بين الفلاحين من عليه إقتلاع الأشجار القديمة و غرس جديدة، مما يعني أنه عليه الإنتظار ما بين سنتين إلى خمس سنوات حتى تنموا و تصبح مثمرة.

البعض يعتقد أن مياه السدود الممتلئة و الآبار المليئة أيضا تكفي لسد حاجات الفلاح، في الحقيقة هذا غير صحيح لصعوبة نقل الماء و تكلفة لعملية ، كما أن بعض الفلاحين يرفضون تقاسم مياه بئره، و مياخ السدود لا تصل إلى كل الأراضي بسهولة، وهي خزان و كنز يجب الحفاض عليه.

المغرب دولة تتمتع بمياه كثيرة لكن صرفها و توزيعها بالعدل أمر صعب و مكلف، لكن من بين الأمور الجيدة هو أن الشعب المغربي نادرا ما يعاني من إنقطاع مياه الشرب، عكس دول أخرى تتكرر فيها إنقطاع الماء على السكان حتى في العواصم، دون نسيان إنقطاع التيار الكهربائي أيضا.

كل سنة يخاف الفلاح من عدم سقوط الأمطار، و يرفع رأسه للسماء ليرى هل تجمعت غيوم الخير لكي تمطر، فيتشاءم البعض من غياب قطرات المطر.

لهذا يكثر المغاربة من صلاة الإستسقاء في الشتاء، و الحمد لله تنزل الأمطار، وهذا ما حدث هذه السنة 2016 ، حيث نزلت أمطار الخير و خففت مآسي الفلاحين.

لكن يصدق البعض بقولهم أنه من العار إعتماد إقتصاد المغرب في القرن 21 على الأمطار !

و يبدو أنهم معهم حق، فلمذا لا تقوم الحكومة بمشاريع تصفية مياه البحر، و إستغلال المياه الجوفية، و إيصال المياه السقوية إلى الفلاحين. أم أن الفلاح الغني الذي يكتري آلاف الهكتارات من الأراضي الرائعة بمليمات قليلة ل 99 سنة هو من يضمن دعم الحكومة له التي توصل له الماء حتى لو كانت أرضه في كوكب المريخ !

تكلمت مع عدة فلاحين لهم الأرض الجيدة و الماء الذي يملؤه الآبار و رغم ذلك يشتكون من قلة الربح الذي يكاد يكون منعدم، حيث صرف بعض الفلاحين مثلا 1200 دولار في أرض صغيرة، وكان الربح 450 دولار بشق الأنفس ! وهذا مثال حقيقي لفلاح فقير ورث أرضا صغيرة.

أما نزوح الفلاح من القرية إلى المدينة فهو في إزدياد، حيث يبحث عن لقمة العيش و يمكن أن يتشرد هو و عائلته في المدن الكبرى بينما أرضه الصغيرة التي على حافة وادي في الصحراء إختفت و أصبحت بيته الطينية أطلال، في منظر مخيف لا يسر الناظرين.

رغم محاولة الحكومة دعم الفلاح بعدم إقتطاع الضرائب إلا أن الفلاح الصغير و المتوسط يعاني.

و من الممكن أن عدم سقوط اللأمطار و إنتشار الصقيع و البرد يدمر المنتوج الفلاحي بنسبة قد تصل إلى 20 % أو أكثر، كما يقول البعض أن عدم سقوط اللأمطار و كثرة البرد لأيام متوالية سيتسبب في إنتشار الأمراض خاصة أنفلونزا بكل أنواعها، و الزكام !

من المفارقات الغريبة أن السدود مملوؤة عن آخرها، و الأمطار تهطل و في بعض المرات تتسبب سوء البنية التحتية في فيضانات قاتلة، و مازال البعض المغاربة و الحكومة تلصق الأزمة الاقتصادية بالأمطار !

لهذا علينا أن نتوب إلى الله وو نكف عن “الشعوذة” الإعلامية و نعمل مجتهدين لإصلاح بلدنا !

فلا يمكن لبلد يعتبر نفسه فلاحي أن يستورد الذرة المهجنة من البرازيل، و البقر من الأرجنتين، و الحبوب المسرطنة من فرنسا  !

ثم يدخل مرض أنفلونزا الطيور ليدمر قطاع الدواجن !

الفلاحة اليوم أصبحت صناعة تتطلب معدات وو رشات عمل متطورة، و تقنيات التقطير، و حفر الآبار المكلفة تحتاج دعم الدولة، الإسطبلات يجب أن تكون نقية نظيفة وواسعة و مريحة للحيوانات وليس مزبلة تنفق فيها الحيوانات !

علينا أن نعمل و نتطور في القطاع الفلاحي لضمان الأمن الغذائي. لا ننسى أن السعودية حولت صحرائها إلى أراضي فلاحية خضراء مكنت من تحقيق إكتفاء ذاتي في الحبوب ! ولا ننسى أن مصر رغم جريمتها بتدمير فلاحة  القطن، إلا أنها عوضته نسبيا بالبطاطس و أصبحت أول مصدر للبطاطس في العالم، و إضطرت لسراء تربة من إيرلاندا و غيرها لتحسين التربة المالحة المصرية ! فالإكتفاء بالفلاحة التقليدية لا يغني و لا يسمن من جوع.

الحمد لله على نعمة الماء، و رحمة ربي وسعت كل شيء.

 

12:15:12 . 2016-02-19 . بنقدور نبيل

Related Post

shortlink رابط مختصر:
About بنقدور نبيل 3153 Articles
فنان و كاتب حر، يغرد خارج السرب ... مهتم بعدة مجالات منها : الدراسات العسكرية، الإعلاميةو الفنية، الحوارات الفكرية بما فيها الدينية .

اترك رد